محمد بن وليد الطرطوشي

458

سراج الملوك

وحدثني أبو القاسم الحضرمي : قال : كنت باليمن في أرض الصّليحي « 1 » ، فوشي بي إلى السلطان ، فأمر بقتلى ، فأخرجت وقدّمت للقتل ، وتركني السيّاف ، ثم قال لي : مد رقبتك ، فمددت عنقي لقضاء الله تعالى ، ثم قال لي السيّاف : اشتد ، فقلت : دونك يا هذا ، فبينا نحن كذلك ، إذا بصائح من داخل القصر : لا تقتلوه ، فخلّوا سبيلي . وجرت بقرطبة « 2 » قصة غريبة في أيام المنصور بن أبي عامر « 3 » ، وذلك أن رجلا يعرف بقاسم بن محمد السنبسى - شهد عليه بالزندقة - فحبسه المنصور مدة مع جماعة من الأدباء من وجوه قرطبة ، مرموقون « 4 » بالانهماك والزندقة ، وكان ينادى عليهم في كل جمعة ، يوقفون إثر صلاة الجمعة بباب الجامع الأعظم : من كانت عنده شهادة فيهم فليؤدّها ، فثبت على قاسم عند القاضي سجل شهادات الشهود ، بأنواع منكرة تتضمن الزندقة والكفر ، فطلعوا إلى القصر وعقدوا مجلسا عظيما ، وحضر أبوه ، وحضر ابنان صغيران لقاسم ، ولبسوا ثياب الحداد ، وحمل أبوه معه نعشا وحمالين ، وجعل أبوه والصّبيّان يبكون على باب القصر ، وأحضر لضرب عنقه سيّاف يعرف ( بابن الجندي ) ودفعت إليه أسياف من القصر ، فجعل يروزها ويلمس شفارها « 5 » ، وأبوه وابناه ينظران . وحضر الفقيه أبو عمرو المكودى الإشبيلي « 6 » على كره منه - وكان يأبى الحضور - فاستفتوه ، فقال : يا هؤلاء ، إن الدماء لا تسفك إلا بالحق الواضح دون الشّبه ، احسبوا أن السّنبسي فرّوجا ، بما ذا تذبحونه ؟ فقال القاضي ابن

--> ( 1 ) الصليحي : علي بن محمد بن علي الصليحي ، كانت له سلطنة اليمن ، وكان على مذهب الإمامية حيث دعا للمستنصر صاحب مصر ، وسمي بالداعي ، قتل وهو في طريق الحج سنة 429 ه ( الوافي بالوفيات 22 / 50 ) . ( 2 ) قرطبة : مدينة في الأندلس على الوادي الكبير وهي عاصمة الدولة الأموية في الأندلس أسسها عبد الرحمن الداخل وكانت مركزا حضاريا وثقافيا ينسب إليها الكثير من العلماء من أثارها قصر الزهراء . ( 3 ) المنصور بن أبي عامر أمير الأندلس الذي استقل بأمور الدولة ستا وعشرين سنة مات سنة 393 ه ، سبقت ترجمته . ( 4 ) مرموقون : متّهمون . وفي ( خ ) : مرموقون بالانهماك في الزندقة . ( 5 ) يروزها ويلمس شفارها : يختبر حدّها وسرعتها في القطع . ( 6 ) أحمد بن عبد الملك الإشبيلي أبو عمرو المعروف بابن المكوي ، شيخ الأندلس في وقته حيث انتهت إليه رئاسة الفقه واعتلى على الفقهاء ونفذت الأحكام برأيه ، كان لا يداهن السلطان ولا يدع قول الحق ، توفي سنة 401 ه ( الديباج المذهب ص 39 ) .